أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
358
العقد الفريد
قال : فهذان الحالان معدومان في عليّ وقد كانا في هارون ؛ فما معنى قوله : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » ؟ قلت له : إنما أراد أن يطيّب بذلك نفس عليّ لمّا قال المنافقون إنه خلّفه استثقالا له . قال : فأراد أن يطيّب نفسه بقول لا معنى له ؟ قال : فأطرقت ، قال : يا إسحاق ، له معنى في كتاب اللّه بيّن . قلت : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : قوله عز وجل حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ « 1 » . قلت : يا أمير المؤمنين ، إن موسى خلف هارون في قومه وهو حيّ ، ومضى إلى ربه ، وإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خلّف عليّا كذلك حين خرج إلى غزاته . قال : كلا ، ليس كما قلت ؛ أخبرني عن موسى حين خلف هارون : هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل ؟ قلت : لا . قال : أو ليس استخلفه على جماعتهم ؟ قلت : نعم . قال : فأخبرني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين خرج إلى غزاته : هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان ؛ فأنّي يكون مثل ذلك ؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب اللّه يدل على استخلافه إياه ، لا يقدر أحد أن يحتج فيه ، ولا أعلم أحدا احتج به وأرجو أن يكون توفيقا من اللّه . قلت : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : قوله عز وجل حين حكى عن موسى قوله : وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً « 2 » « فأنت مني يا عليّ بمنزلة هارون من موسى : وزيري من أهلي ، وأخي ، شدّ اللّه به أزري ، وأشركه في أمري ، كي نسبح اللّه كثيرا ، ونذكره كثيرا » فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئا غير هذا ولم يكن ليبطل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأن يكون لا معنى له ؟ قال : فطال المجلس وارتفع النهار ؛ فقال يحيى بن أكثم القاضي : يا أمير المؤمنين ، قد أوضحت الحق لمن أراد اللّه به الخير ، وأثبت ما يقدر أحد أن يدفعه . قال إسحاق : فأقبل علينا وقال : ما تقولون ؟ فقلنا : كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزه
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 142 . ( 2 ) سورة طه الآية 35 .